القاضي التنوخي

153

الفرج بعد الشدة

فاجتمعا ، فصاحا ، فجاءهما عدّة من السباع ، وطفروا ، فما قدروا علينا ، فلم يزالوا كذلك حتى اجتمع بضعة عشر سبعا ، وكلّما جاء واحد حاول أن يطفر إلينا فلا يبلغنا ، ونحن كالموتى خوفا أن يصل إلينا واحد منهم . فينما نحن كذلك إذ اجتمعت السبّاع كلّها كالحلقة ، وجعلت أفواهها في الأرض ، وصاحت صيحة واحدة ، فرأينا حفرة قد احتفرت في التراب من أنفاسها . فما كان إلّا ساعة حتى جاء سبع أسود هزيل ، منجرد الشعر ، لطيف . فلقيته السّباع كلّها ، وبصبصت بين يديه ، وحوله ، وجاء يقدمها وهي خلفه حتى رآنا في الغرفة ، ورأى الموضع ، ثم جمع نفسه ، فإذا هو في الصحن ، بين يدي الغرفة . وكنّا قد أغلقنا الباب ، فاجتمعنا كلّنا خلفه لندافعه عن الدخول . فلم يزل يدفع الباب بمؤخّره حتى كسر بعض ألواحه وأدخل عجزه إلينا . فعمد أحدنا إلى ذنبه فقطعه بمنجل كان معنا [ 53 ن ] . فصاح صيحة منكرة وهرب ، ورمى بنفسه إلى الأرض ، فلم يزل يخمش السباع وينهشها ويقطعها بمخالبه ، حتى قتل منها غير واحد . وتهاربت السباع الباقية من بين يديه ، وهام في الصحراء يتبع أثرها ، ونزلنا نحن لمّا لم يبق منها شيء ، فلحقنا بالقرية ، وخبّرناهم خبرنا . فقال لنا شيخ منهم : هذا السبع مثل الجرذ العتيق ، إذا قطع ذنبه أكل الفار « 6 » .

--> ( 6 ) لا توجد هذه القصّة في م .